الأحد، 24 يناير 2021 03:33 م
الأحد، 24 يناير 2021 03:33 م

طلعت حرب "المتشدد المستنير".. 153 سنة على ميلاد "أبو الاقتصاد".. نضال بدأ بمعركة مع قاسم أمين وانتهى ببنك مصر.. صراع ضد الاحتلال بالأصولية والحداثة والدين والبنكنوت.. وقاد ثورة 19 وقتله الإنجليز قبل م

طلعت حرب "المتشدد المستنير".. 153 سنة على ميلاد "أبو الاقتصاد".. نضال بدأ بمعركة مع قاسم أمين وانتهى ببنك مصر.. صراع ضد الاحتلال بالأصولية والحداثة والدين والبنكنوت.. وقاد ثورة 19 وقتله الإنجليز قبل م طلعت حرب وقاسم أمين وستوديو مصر
الأربعاء، 25 نوفمبر 2020 03:01 م
ابن موظف السكة الحديد يؤسس لأعمق حلقات النضال الوطنى ضد الاستعمار وفساد القصر الفلاح الشرقاوى يبدأ حلمه المصرى من أملاك الخديو وأسهم اليهود فى "كوم أمبو" طلعت حرب يهاجم قاسم أمين والخديو إسماعيل ويدعم تعليم البنات وعملهن فى الطيران والفن خريج الحقوق يبدأ صراعه مع الاحتلال بالتمسك بالهوية ويطوره باستجلاب الخبراء وإرسال البعثات لأوروبا الباشا يحقق أحلام محمد على وعرابى ورموز الحزب الوطنى وينجز ما فشل فيه الجميع الإنجليز يتآمرون على بنك مصر بسبب الحرب العالمية والطمع فى ودائع المصريين موظف القصر السابق يتبنى مطالب الشعب ويحقق أسرع إنجازات "ثورة 19" عامان تقريبًا قضاهما ميِّتًا يسعى على قدمين. حتى أنه عندما رحل رحيلاً حقيقيًّا لم يتجاوز الأمر عبور بضع مئات المترات، بين بيته الذى اتَّشح بالصمت طويلاً فى 365 شارع رمسيس بالعباسية، والبقعة التى اختارها مثوىً أخيرًا فى مقابر صلاح سالم، أو "صحراء المماليك"! ظُلِم طلعت باشا حرب، أو محمد طلعت حسن حرب، حيًّا وميِّتًا، حتى ممَّن ظنّوا أنهم يحتفون به، ويُعيدون إليه الاعتبار بالزجّ باسمه تحت لافتة "الرأسمالية الوطنية المصرية". فى الحقيقة كان "حرب" أكبر من رأسمالى وأعمق وعيًا وأثرًا من برجوازى ومُخطِّط مشروعات اقتصادية كبرى. واختزال رحلة طويلة، بدأت بتمصير شركات وخوض معارك فكرية، وانتهت إلى قاعدة تنموية وتنويرية عريضة ومُستقرّة، فى وضعيّة رجل الأعمال الأليف وطيِّب القلب، أقرب إلى اختصار نهر جارف فى فُسحة بالقارب أو جلسة على الشطّ. كان الباشا خلاف الشائع عنه تمامًا، مُناضلاً جرَّب أدوات عدّة، قبل أن يستقرّ على خوض معركة الاستقلال والهوية من بوّابة المال والأعمال! مَن لا ينظر بعُمقٍ فى قصة مُؤسِّس بنك مصر، ولا يُفكِّك خيوطه الدرامية المُتشابكة؛ ليُعيد بناء الحكاية على وجهها الدقيق، سيتورَّط بالضرورة فى الاجتزاء والتبسيط. هاجم الباشا قاسم أمين ودعاوى تحرير المرأة، لكنّه دعا إلى تعليم الفتيات وشجَّع النابغات منهن، تشدَّد فى تأكيد مركزية الهوية العربية الإسلامية وفق فهم أصولى، ثمّ فتح أبوابًا عديدة التنوّع للتثقيف والتنوير والفن والحداثة، عمل لدى الأجانب وفى شركات يملكها المُحتلّون، لكنّه سعى إلى تفكيك احتكارها، أو دفعها بهدوء وبطء إلى الولاية الوطنية، استقدم الأوروبيين وابتعث شبابًا ومهنيِّين حتى إلى لندن، بينما كانت تختمر فى وعيه فكرةُ التحرُّر وتُهيمن على روحه تطلُّعات التخلّص من استعمار الإنجليز. حقَّق الرجل أحلامه الاقتصادية كاملةً، لكنّه تخلَّى عنها راضيًا وقتما وُضعت له العصا فى العجلة، وخيَّروه بين الواقع واكتمال الحلم. هكذا قد تنطوى الحكاية فى وجهها البسيط على قدرٍ من التناقضات، إلا أنها فى العُمق تبدو حكاية منطقية وبليغة، عاشها "المُتشدِّد المُستنير" مُجرِّبًا صنوف النضال الوطنى، لا يستشعر تناقضًا بين محطّاتها؛ وقد اختار أن يكون الوصول مطمحه الأعلى، وأن يتعبّد الوطن بالوسائل والغايات معًا، وبالأصولية والحداثة والدين والبنكنوت، من دون تفرقة أو فرز واستبعاد! أحلام الشاهد على الانكسار فى اللحظة التى بدأ فيها الضابط أحمد عرابى ثورته المتطلعة إلى استيفاء حقوق العسكرية المصرية، مقابل الأتراك والشركس وغيرهم من الأعراق التى استجلبها الخديو توفيق وسابقوه من أبناء الوالى محمد على باشا، كان الفتى "محمد" يعبر بخطوات رهيفة إلى المراهقة. فشلت الثورة وانكسر الثائر ودخل الإنجليز مصر، بينما كان الطفل المولود فى شتاء العام 1867، وتحديدا مثل اليوم 25 نوفمبر قبل 153 سنة، على بُعد شهرين من إكمال عامه الخامس عشر. كان الانكسار مدفوعًا بتحالف بين القصر والقنصل الإنجليزى والدائنين من الحكومات الأوروبية ورجال المصارف، وبدوره التقط اليافع طلعت حرب الإشارة، واستوعب أن محنة الوطن أشعلتها أطماع الاقتصاد. حاول المُحتل ومن تحالفوا معه من رجال الحُكم وعوائل الإقطاع والرأسمالية المُستوطنة من ذوى الجذور الأوروبية، إسباغ قدر من المكون الثقافى الغربى على وجه الحياة فى مصر، أو تفكيك الهوية الوطنية وتسريب أفكار المُستعمر بين شقوقها، بما يضمن إعادة صياغة المجتمع على وجه يتقبل تلك الصيغة الجديدة، ويتصالح معها حتى يستسيغها ولا يرفضها مستقبلا، ومن هنا استشعر الشاب الصغير أن سؤال الهوية قد يقود إلى جواب التحرر، ولأن الشخصية المصرية كانت قد تحللت ببطء مع الزمن حتى غلب المكون العربى والإسلامى فيها على غيره من المكونات، اعتبر "حرب" أن التمسك بتلك الصيغة بأبعادها الأصولية قد يكون الضامن الأقوى لمواجهة مخاطر التفسخ، أو صد محاولات الاستعمار الثقافى. من المدخلين السابقين، تشكلت هوية طلعت حرب، وأسس انحيازاته الشخصية والوطنية، التى ستتجلى لاحقا بوضوح فيما يرتضيه لنفسه معرفيا وعمليا. سيبدو فى شطر من مواقفه أصوليا متشددا لا يقبل خطاب التنوير ولا يرحب به، ولأن رهان الاقتصاد يستدعى الانتقال من مرحلة النمط الزراعى الريعى، إلى حداثة المجتمع الصناعى وآليات الإنتاج المبتكرة، مع ما تنطوى عليه من قيم عصرية ومتطلبات مُلحة فيما يخص التمدن والوعى والتعليم وتطوير أنماط المعيشة، سيجتهد الحالم الذى شهد محطة الانكسار واستوعب مسبباته، للتوفيق بين المواكبة الضرورية لاشتراطات الحداثة باعتبارها سلاحا ضروريا فى المعركة، وصيانة الهوية الوطنية من التفسخ أو التشوه بقيم المُحتل، انطلاقا من كونها ساحة الصراع التى لا تقوم الحرب ولا يكون الانتصار حال فقدت الثبات والصلابة! الأصولية فى مواجهة التغريب كل ما فات شرط لازم لقراءة سيرة طلعت حرب على وجهها الصحيح. إذ لا توفر مطالعة كتاباته ومعاركه الفكرية نظرة قويمة بمعزل عن تدرجه العملى من الوظيفة الرسمية إلى النشاط الخاص، كما لا يسمح التوقف أمام محطة "بنك مصر" وما تبعه من شركات، واعتبارها أبرز منجزات الباشا وملخص حكايته، باستيفاء صورة موضوعية عن ابن مرحلة المد الناتجة عن مشروع الوالى محمد على لبناء دولة حديثة، ابن سياق الاستهداف المنظم الذى وُلد مع مشروع قناة السويس بما اكتنفه من أطماع ومخططات محسوبة، والشاهد على بدايات تقويض التطلعات الوطنية المصرية بانكسار عرابى والدخول فى عصمة الاستعمار البريطانى. تجاوز تلك الصورة المُركبة سيتأسس عليه التباس غير قابل للحلحلة بين إسهام "حرب" الاقتصادى والتنويرى من جانب، وإغراقه فى القبض على المنطلقات الأصولية للهوية، بل ومُعاداة خطابات الحداثة ومحاولات إرساء ركائز اجتماعية جديدة على أرضية من قيم الحرية والعلم والمساواة. باختصار سيعجز محبو الباشا صانع النهضة عن تبرير موقفه العدائى من قاسم أمين، وتخصيصه كتابين "تربية المرأة والحجاب" و"فصل الخطاب فى المرأة والحجاب" للرد على كتابى أمين "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، وقوله مثلا: "المرأة كائن شريف قد خصصتها العناية الإلهية لتكثير النوع الإنسانى، ووظيفتها من حيث هذه الحيثية سامية جدا، لا يستطيع الرجل أن يجاريها فيها، وقد متعها الله لحسن هذه الوظيفة كل ما تحتاج إليه من أعضاء، وناسب بين تركيبها وبين تلك الوظيفة، حيث نرى أن القدرة الإلهية قصرتها عليها"، ومطالبته بـ"تربية البنات على مبادئ الشريعة الإسلامية؛ بإنشاء محل للصلاة في المدرسة، وتحبيب الفضيلة الدينية إلى قلوب البنات، وإعطائهن من العلوم والآداب ما يكفي لأن يجعلهن زوجات صالحات، وأمهات مربيات ينتجن أولادا صالحين"، وقوله أيضا: "الرجل يسعى ويكد ويشقى ويتعب ويشتغل؛ ليحصل على رزقه ورزق عياله، وامرأته ترتب له بيته، وتنظف له فرشه، وتجهز له أكله، وتربى له أولاده، وتلاحظ له خدمه، وتحفظ عينه عن المحارم وهو يسكن إليها". التزم كتابا طلعت حرب خطا أصوليا أقرب إلى الرجعية، قياسا على خطابات التنوير التى بزغت وتوسعت فى تلك الحقبة وما تلاها. المفارقة أن طلعت حرب نفسه لم يكن ضد تعليم المرأة، ووضع فى ذلك كتابه "البراهين البينات على وجوب تعليم البنات"، كما دعم عمل المرأة وشجعها من خلال شركة السينما وستوديو مصر، ودعم الرائدات من النساء مثل لطفية النادى "أول طيارة مصرية". بين الموقفين قد يبدو الباشا متناقضا إذا اقتُطعت المواقف بمعزل عن بعضها، لكن الرد على تلك الشبهة كامن بين أفكاره نفسها، إذ يقول فى رده على قاسم أمين: "رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا من قديم الزمان، لغاية فى النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوروبا بالعالم الإسلامى... لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامى فى المشرق، لا فى مصر وحدها، إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل، بل الفساد الذى عمّ الرجال". هكذا يتضح أن الباشا لم يكن رجعيا أو معاديا للمرأة، وإنما اعتبرها حائط الصد الأخير فى معركة مفتوحة مع الاستعمار، وكان أكثر وضوحا بالقول: "هياج الرأى العام على قاسم أمين ناتج عمّا هو راسخ فى الأذهان من أنّ رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا". سيطرت فكرة الحرب بالهوية على وعى طلعت حرب، إلى حد أنه أورد حكاية غير موثقة عن وعود قدمها الخديو إسماعيل للدول الأوروبية إذا ساندته فى إتمام الانفصال عن الدولة العثمانية بأن "يُبدّل أحكام القرآن فيما يتصل بالحياة السياسية والاجتماعية؛ فيفصل السياسة عن الدين، ويطلق الحرية للنساء بحيث يسرن فى أثر المرأة الغربية، وينقل إلى مصر معالم المدنية الأوروبية"، بل إنه ادعى مطالعة خطاب من حاكم مسلم (لم يُسمّه) يقول فيها للخديو: "بلغنا أنكم كاتبتم ملوك أوروبا، وتوجهتم بأنفسكم إليهم تطلبون منهم الإعانة على الاستقلال بمُلك مصر والاستبداد بالسلطنة؛ ليُقال لكم ملك مصر أو فرعون مصر، ولم يقنعكم لقب الخديو الذى شرّفكم به سلطاننا فى هذه المدة الأخيرة، وذكرتم للمشار إليهم أنكم تضمنون لهم إن وقعت منهم الإعانة التى تطلبونها، تبديل أحكام القرآن وفصل السياسة عن الدين بالمرة، وتبيحون لنساء الأمة الجديدة التى تكـوِّنونها ما تبيحه العادات الإفرنجية وقوانينها، من الحضور فى مجامع الرجال ومواكبهم وغير ذلك، ولا تظلمونهن بمثل ما ظلمتهن الشريعة الإسلامية". لم يقدم الباشا دليلا على تلك الحكاية أو الخطاب، ولم تكن له حاجة فعلية إلى ذلك؛ إذ كان المُراد أن يُؤسس لمذهب فى مواجهة الاستعمار وصيانة الهوية، من باب العقيدة والثقافة العربية وفق الفهم الأصولى. كان الأمر أقرب إلى بناء جدار يقى الشخصية المصرية عواصف المستعمرين ومخاطر الذوبان فيهم، ولم يكن تحجرا أو رجعية حقيقية، كان غرضه الأثر النفسى والاجتماعى وليس الفكرة العقائدية نفسها، لذا فإنه بينما ينتقد النزعة الغربية الساعية لإطلاق المرأة من خدرها أو دفعها إلى محافل الرجال، كان يوقن وينحاز إلى تعليم البنات، ثم منحهن فرصا حقيقية فى العمل والفن، وأدخلهن بأفكاره ومشروعاته فى كل المحافل دون استثناء. الاقتصاد فى ساحة الحرب بالتزامن مع تغذية النزعة القومية ودفعها لتصدُّر ساحة المواجهة، كان الباشا مؤمنا بوظيفة الاقتصاد الحيوية فى معركة الاستقلال. صحيح أنه تحوّل لاحقا باتجاه الرهان الكامل على فكرة التنمية وتفكيك الهيمنة الاستعمارية، عبر إطلاق القدرات الاقتصادية وإحلال المكوِّن المصرى بدلا من الأجنبى، إلا أنه حتى فى المراحل المتقدمة من حكايته لم يُغفل تلك الفكرة، بل إنه عمل عليها من منطلق وطنى ناضج، ساعيا إلى تمصير القدرات الإنتاجية التقليدية، قبل أن يتيسَّر له مستقبلا امتلاك مداخل موضوعية لصياغة سياق إنتاجى جديد وعصرى بالكامل. تخرَّج "حرب" فى مدرسة الحقوق بالعام 1889، وعمل مُترجما فى القلم القضائى بـ"الدائرة السنيّة" المسؤولة عن إدارة الأملاك الخديوية. مع تفكيك الدائرة سعى الشاب العشرينى الذى خلف الزعيم الوطنى محمد فريد فى إدارة قلم القضايا إلى تمليك الأرض للمزارعين. فى العام 1905 انتقل إلى شركة وادى كوم امبو لاستصلاح وبيع الأراضى، خلفا لمديرها اليهودى كأول مصرى يشغل هذا الموقع، ونجح فى غضون سنوات قليلة فى تمصير الحصة الأكبر منها وبسط هيمنة المساهمين المصريين على الشركة. تطوَّر هذا الانحياز فى العام 1908 بإنشائه شركة باسم "التعاون المالى"، نشطت فى إقراض الحرفيين وصغار التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة، وربما لاحقا لعبت تلك المحطات دورا عضويا مهما فى تقوية البرجوازية الوطنية واشتداد عودها، وهو ما ساند أفكار الباشا ودعم مشروعاته فى مواجهة الهيمنة الأجنبية، والمراكز المالية المتضخمة لليهود الأوروبيين وبعض عائلات الإقطاع والرأسمالية المُتحالفة مع الاستعمار. خريطة مشروعات طلعت حرب الكبرى بدءا من بنك مصر فى العالم 1920، تُجسد بوضوح تلك الرؤية الساعية إلى استنهاض القدرات المصرية، وسد الثغرات الواسعة فى هياكل الاقتصاد، وصولا إلى التنوع والكفاية عبر اقتحام كل المجالات من الأنشطة المصرفية إلى الصناعة والتجارة والنقل والخدمات والتثقيف والترفيه. فى غضون إحدى وعشرين سنة بين تأسيس البنك ورحيل الباشا عنه، تضاعفت رؤوس المال وإجمالى التعاملات عدة مرات، واكتملت مجالات العمل بما يحقق منافسة وطنية شاملة فى كل القطاعات، وفى مقدمتها الأنشطة التى ظلت حكرا على الأجانب لعقود، وذلك من خلال 20 شركة منبثقة عن البنك: مصر للطباعة 1922، مصر لصناعة الورق ومصر لحلج الأقطان 1923، مصر لصناعة السينما (ستوديو مصر) 1925، المصرية العقارية وبنك مصر الفرنسى 1926، مصر للغزل والنسيج ومصر لمصايد الأسماك ومصر لغزل الحرير ومصر للكتان 1927، بنك مصر سوريا 1929، مصر للنقل والشحن 1930، المصنوعات المصرية ومصر للطيران 1932، مصر للسياحة والمصريون للجلود والدباغة 1934، مصر للمناجم والمحاجر 1935، مصر لصناعة وتكرير البترول 1937، مصر للصباغة 1938، ومصر للمستحضرات الطبية والتجميل فى العام 1940. حلم الوالى وعرابى ومنجز ثورة 19 ما حققه طلعت حرب من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية بتأسيسه بنك مصر، كان بمثابة تحول حاد وعميق فى الرؤية المصرية لإنجاز عملية التحديث وقطع أشواط أكثر حيوية ضمن مساعى التحرر من الاستعمار، ليس بامتلاك قاعدة مصرفية ذات انحيازات وطنية فقط، وإنما بتوسيع مدى المواجهة مع الاحتلال من خلال المنافسة المباشرة مع أذرعه المهيمنة على إدارة المالية والإنتاج المحليين، وابتكار وسائل أكثر فاعلية لانتقاء عناصر القوة وتغذيتها. لكن أكثر ما كانت تنطوى عليه الخطوة من إضاءات، أنها كانت استكمالا لحلقات سلسلة ممتدة من التطلعات الجادة لبناء الدولة الحديثة واستكمال معمارها، بدأها الباشا محمد على ضمن مشروعه التحديثى الشامل، وواصلها الباشا الفلاح أحمد عرابى فى سياق مساعيه لإنجاز صيغة وطنية قادرة على مجابهة فساد الحُكم وتغول الأجانب فى أروقة الدولة. بدأت فكرة البنك الوطنى الخالص عند الوالى محمد على، الذى أصدر مرسوما فى أواخر سنوات نشاطه بتأسيس بنك برأسمال 700 ألف ريال، واختار خبيرين أجنبيين لتخطيط المشروع وتنفيذه، إلا أن تعقد صراعاته مع الدولة العثمانية وتكالب القوى الأوروبية عليه فى مؤتمر لندن 1840 عصفت بالفكرة مع نجاحها فى إطفاء جذوة التجربة بكاملها والقضاء على توهج الباشا. ظل الأمر بعدها مُجمّدا حتى جدد أمين شميل الدعوة بمقال فى صحيفة "التجارة" ربيع العام 1879، ليتلقفها أحمد عرابى مقررا إنشاء بنك تسليف للفلاحين، قبل أن ينكسر الحلم مجددا مع انكسار عرابى نفسه أمام الإنجليز (سبتمبر 1882)، حسبما أورد صديقه المستشرق وعضو مجلس العموم البريطانى ويلفريد سكوين بلنت فى تأريخه للثورة العرابية بكتاب "التاريخ السرى لاحتلال إنجلترا مصر". عاد الأمر للظل مرة أخرى نحو ثلاثة عقود، ليُثار من جديد عبر سلسلة محاضرات نظمها نادى المدارس العليا بالعام 1908، تناول فيها عمر لطفى بك، وكيل كلية الحقوق وعضو الحزب الوطنى، مجال المصارف وأنظمة الإقراض فى إيطاليا وألمانيا، لكن مناوشات التيارات الأصولية والتقدمية، مع مواقف بعض المحافظين من الحزب ورموزه، دفعت الفكرة خارج حيز القبول الكافى لتشكيل إرادة عامة دافعة للتنفيذ، إلى أن قرر طلعت حرب العمل على الأمر، فبدأ البحث والتجهيز منذ أواخر العام 1910، ومع انعقاد المؤتمر المصرى الأول فى ربيع العام التالى، عرض الحلم على الأعيان والوجهاء الحضور، وبالإجماع قرر المؤتمر إنشاء بنك برأسمال مصرى خالص، بعدما يعود "حرب" من رحلة أوروبية لدراسة أنظمة المصارف وآليات إدارة المالية والإقراض والسندات، أكمل الباشا المهمة ووضع كتابه المهم "علاج مصر الاقتصادى" مشتملا على تفاصيل المشروع وخلاصته، ومع الاقتراب من محطة التنفيذ اندلعت الحرب العالمية الأولى، ليتأخر الحلم عدة سنوات إضافية! قاد سياق الحرب وما أفرزه من ممارسات سافرة للاحتلال، على صعيد استلاب الدولة ونهب ثرواتها وتسخيرها فى خدمة معارك بريطانيا، فضلا عن تبدل الأوضاع وموازين القوى العالمية، إلى تنامى خطاب الوطنية المصرية الساعى إلى التحرر. بزغ نجم سعد زغلول ثم نُفى مع وفده؛ لتندلع ثورة 1919 التى كانت طلعت حرب فى القلب منها، ليستعيد فكرته المُعطّلة ضمن سياق التحرر المحتدم، ليأتى مشروع البنك المطروح منذ تسعة عقود تقريبا للمرة الأولى فى إطار فعل وطنى ورغبة شعبية، ويبدو وكأنه مُعادل اقتصادى للزخم السياسى ونضال الوفد وآلاف الثائرين على امتداد مصر، وكما كان دستور 1923 وحكومة سعد زغلول المنتخبة من إنجازات الثورة، كان بنك مصر بالسياق الذى تأسس فيه أحد أهم تلك المنجزات، وأولها تقريبا! الباشا وصراع التشدُّد والاستنارة الباشا القادم من خلفية ريفية واجتماعية متواضعة، لأب يعمل بالسكة الحديد وأصول تعود إلى قرية "ميت أبو على" بمحافظة الشرقية، استكمل ما أنجزه فى الدائرة السنية وشركة كوم امبو وشركة التعاون المالى، عبر تمكين الحرفيين وصغار التجار والبرجوازية الصغيرة، إلى جانب إطلاق مشروعات كبرى لتأسيس قاعدة صناعية يمكنها المنافسة وضمان الكفاية وتلبية الاحتياجات الضرورية لبلد ناهض. كان مسار العمل وتتابع حلقات المشروعات واضحا فى انحيازاته، وكأنه يرسى الأساسات ويرفع الأعمدة التى يُمكن أن تحتمل البناء بعدما يستقل أو يقفز بعيدا عن الحوامل التى أحكم المستعمر قبضته عليها. هنا توافرت للباشا أسباب أكثر نضجا وصلابة للصراع، فتوارى خطاب التشدد الأصولى الذى كان سلاح الضعف وطاقة المقاومة من موقع الخوف، وتقدم خطاب المستنير القادر على المنافسة والمناطحة والسبق أيضا، فابتعث الدارسين والمهنيين والفنيين لاكتساب المعرفة من كل دول أوروبا، واستقدم الخبراء والمتخصصين منهم، مطمئنا إلى قدرة الهوية المصرية على تجاوز أخطار الذوبان فى أعدائها، بعدما اشتد عودها وامتلكت زمام أمرها، وباتت مكتفية بالرأسمال والأفكار والمصرف القادر على التمويل والطاقات الجاهزة للتنفيذ. فى المقابل كان الإنجليز يراهنون على فشل الباشا، فلم يُحاربوا مشروعه فى بادئ الأمر، لسببين: أولهما ما عبر عنه مصرفيون أجانب من أن المصريين لا شأن لهم بالبنوك وصنعتها وليس بمقدورهم النجاح فيها، والثانى لسيطرة الاحتلال على البنك الأهلى الذى تأسس بالعام 1898 برأسمال 900 ألف جنيه (مليون جنيه استرلينى) ويسيطر على السوق تماما، بينما كان رأسمال البنك الجديد عشرين ألفا فقط وتصعب عليه المنافسة. هذا الموقف تغير تماما خلال عشرين سنة، بعدما نجح الباشا واستحوذ على حصة ضخمة من السوق، وتعامل معه المصريون كما أراد "حرب" بالضبط، أى باعتباره بنك الوطنية وممثل الشعب وقوى التحرر والاستقلال فى مواجهة القصر والاحتلال، لكن تلك الوضعية كانت تشكل خطرا على المستعمر مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وعدم قدرته على الاستفادة من ودائع البنك وفوائضه كما يحدث مع البنك الأهلى. هنا تدخل المندوب السامى ضاغطا على الملك، الذى وجه الحكومة إلى الإطاحة بالباشا. بدأ الأمر بإثارة البلبلة ومخاوف الناس على خلفية الحرب، فتكالب المودعون طالبين أموالهم، ثم استُكملت الخطة بسحب ودائع صندوق توفير البريد الحكومى وضمها إلى ودائعه الضخمة بـ"الأهلى"، وتوجيه الأخير من خلال محافظه الإنجليزى إلى رفض طلب بنك مصر قرضا منه بضمان محفظته من الأوراق المالية، وعندما ذهب الباشا إلى وزير المالية حسين سرى، طالبا إنقاذ البنك بواحد من ثلاثة إجراءات: وقف سحب الودائع الحكومية، أو دفع البنك الأهلى لإقراضه، أو إصدار بيان بضمان أموال المودعين، كان الرد الوحيد الذى خطط له رئيس الحكومة على ماهر: بقاء بنك مصر ثمنه رحيل طلعت حرب! اختار الباشا الذى كان يعيش حلما وطنيا تحرريا، وليس مجرد مشروع مصرفى واستثمارى، أن يكون قربانا على مذبح بنك مصر قائلا عبارته الشهيرة "ما دام فى تركى حياة للبنك؛ فلأذهب أنا ويعيش البنك". يقول سكرتيره الشخصى إنه لم يفكر ولم يتردد، ولم ينطق وهو يغادر مكتبه إلا عبارة "لقد متّ ولم أُدفن". وغادر "حرب" إلى موت مع إيقاف التنفيذ، وحياة باهتة بين قرية العنانية بدمياط، وبيته فى العباسية. قتله القصر والإنجليز قبل موته بعامين، حتى أنه عندما حان أجله فى صيف العام 1941 لم يكن الأمر موتا كاملا، وإنما رحلة بين قبره روحه فى 365 شارع رمسيس، وقبر الجسد فى صحراء المماليك!
















لا توجد تعليقات على الخبر

اضف تعليق

الأكثر قراءة



print